تجربة أم ” كالبحر الساكن”

post Image>

“إذا كان لابد من اختيار صفة واحدة جامعة لطابع المؤمن لقلت السكينة، فالسكينة هي الصفة المفردة التي تدل على أن الإنسان استطاع أن يسود مملكته الداخلية ويحكمها ويسوسها.


إنك تقرأ هذه السكينة في هدوء صفحة الوجه، ليس هدوء السطح، بل هدوء العمق، هدوء الباطن وليس هدوء الخواء ولا سكون البلادة، وإنما هدوء التركيز والصفاء واجتماع الهمة ووضوح الرؤية، وكأنما الذي تراه أمامك يضم البحر بين جنبيه، والبحر ساكن، ولكنه جياش يطرح اللآلئ والأصداف والمراجين من أعماقه لحظة بعد لحظة فهو غنى الغنى اللانهائي.”


هذه الكلمات لدكتور مصطفى محمود رحمه الله وجدتها هي لب التربية، تحديدا مفردة السكينة، فبعد أعوام طوال من التعرض لصنوف متعددة من النظريات التربوية، بمناهجها وأساليبها الحديثة، أدركت إدراكًا لا يدع مجالًا للشك: أن كل ما تعلمته وفهمته لن يمدّني مع أبنائي بما يجب أن أكون عليه، وبما أريده لهم ومنهم، دون أن أكون في حالة من السكينة والهدوء.

فسيادة المرء لعواطفه، ويقظته بتصوراته، ورد فعله الناتج عنهما، هو بداية طريق التربية الفعلي، فتربية الأبناء لا تبدأ أبدًا من ممارستنا لفعل التربية معهم، بل تبدأ حقيقةً بممارسة فعل التربية على أنفسنا أولًا!


وحتى أكون أكثر وضوحًا، يمكنني القول أنّي اكتشفت هذه الحقيقة بعد زمن لا بأس به من التركيز على أبنائي فقط، بمحاولات شتى أُقرّ الآن أنها رغم جديّتها عبثية! فالاعتناء بتفاصيلهم كان لابد أن يسبقه اعتناء بتفاصيلي، والاهتمام بأفكارهم وسلوكياتهم كان لابد أن يسبقه اهتمام بأفكاري وسلوكياتي، وقد تتساءل عزيزي القارئ أليس من الطبيعي أنني اهتممت بنفسي فعلًا؟  سأُجيبك أنني أقصد العناية والاهتمام بالأمور المتوارثة والمشاهدة، فلابد أن كل والد ووالدة يسعيان جاهدين لتطوير أنفسهم في مجالات شتى، وأنا هنا لا أشير لتلك الزاوية المضيئة، بل للزاوية المعتمة التي  تقابلها من الجهة الأخرى والتي تخص التفاصيل التي يتعرض لها أطفالنا دون قصد أو وعي منا، وحتى تفهمني أعرض لك مثالًا من خلال بحث أشار إليه مارتين سليقمان في كتابه التفاؤل المكتسب، كانت نتيجته أن الطفل ينصت لمن يعتني به أكثر ويستقي منه، لذلك الطفل الذي ينتمي لأم متشائمة فإنها تنقل إليه التفكير التشاؤمي تجاه الحياة عندما يكبر.


إن مجرد تخيلي أنني رغم كل الحرص والبحث والقراءة في سبل تنشئة أبنائي تنشئة خالية من العيوب بأعلى الاحتمالات، أكون كالمثل القائل: وكأنك يا أبوزيد ما غزيت!


 لأنني ساهمت في جعلهم أكثر تشاؤمًا مثلًا من خلال نمط تفسيري للأمور من حولي، أو من خلال شرحي النكدي للعالم، أو من خلال نغمة حديثي البائس اليائس، أو الساخر المستهزئ، أو من خلال كثرة التذمر من المشكلات بدلًا من البحث عن حلول لها، أو من خلال نقد الهوية بدلًا من نقد السلوك، أو من خلال الإهانة والتوبيخ واللوم أكثر من التشجيع والدعم، أو من خلال التغافل عن توضيح الاحداث المؤلمة كالفقد بدلًا من تعليمهم أهمية تقبلها.


تلك التفاصيل التي أشار إليها د. أسامة الجامع في إحدى مقالاته هي التي يراها الصغير ويتشرّبها، هي التي تتطلب يقظة حقيقية لما نكون عليه فعلًا كمربيين، فاهتمامنا بمكانتنا الاجتماعية وارتفاع سقف ثقافتنا، وتعرضنا لأحدث ما أفرزت النظريات التربوية، لا يتعدى أن يكون أمرًا سطحيًا طالما لم يُترجم كسلوك يشاهده الابن والابنة على مدار اليوم.


ولربما يمكنني الادّعاء أن سنوات من التربية مرت لم أستوعب من خلالها لبَّ الحقيقة وأنا أجري سعيًا لتعلم كل ما استطعت إلا حين بلغ أبنائي عمرًا تحولَت فيه العلاقة بيننا إلى صداقة، تمكّنت فيها من خلال مكاشفات عدة، أن ألتقط أنفاسًا عميقة وأسمع بصوت أبنائي اعتراضاتهم على أفكار بعينها، وتساؤلاتهم عن موروثات محددة، وتبنّيهم لأفكار لم نتبناها من قبل، واستنكارهم لتفاصيل أقوم بها! نعم إنك تقرأ جيدًا، استنكارهم لتفاصيل أحثهم على اتباعها رغم أني الأقل اتباعًا لها أي أنني أخالف ما أنادي به!


وهنا كنت كمن انكشف عنه الغطاء، واستوعب الحقيقة، فهذه العلاقة بين الوالدين والأبناء تتطلب استيعاب سنة كونية ذكرها د. عبد الكريم بكّار مفادها: أن الانسان يأتي إلى هذه الحياة وهو لا يعرف أي شيء، ولكنه في الوقت نفسه مزود بالاستعداد لأن يتعلم كل شيء (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) – سورة النحل، آية ٧٨


لذلك من الحكمة في عملية التربية إدراك أن المرء حين يُولد يكون قد ورث عن آبائه وأجداده خصائص روحية وعقلية ونفسية ومزاجية محددة، لكنه في الوقت نفسه يملك الكثير من الاستعدادات والقابليات لتمكّنه من أن يختلف اختلافًا كبيرًا عن أشخاص لديهم نفس الموروثات النفسية، وهذا ما يجعلنا نتأكد من أن بعض ثقافتنا الموروثة فيها من الأوهام الكثير، كالزعم أن الطفل أشبه بالعجينة بين اليدين نستطيع تشكيلها على النحو الذي نرغبه، وهذا ليس بصحيح. والدليل أن البيت الواحد يُنتج أبناء بسلوكيات مختلفة ونظرات مختلفة للحياة، وما ذلك إلا لأن الطفل ليس مثل العجينة أو قطعة الصلصال بشكل كلي.


إن وعيي كأم ووعيك أنت أيضًا كمربي بأن الانسان حين يولد فإنه فعلًا لا يملك أي مقوِّم أساسي من مقومات الإنسانية فهو لا يملك اللغة ولا المشاعر ولا معايير الصواب والخطأ، كما أنه لا يعرف ما هو نافع ولا ما هو ضار، ولا يعرف كيف يفرق بين اللائق والغير لائق وبين الآمن والخطر وعليه أن يكتسب كل ذلك من خلال التربية، دليل قد يتشبث به القائل أن الطفل عجينة يمكن تشكيلها! والحقيقة أن الطفل قابل للتشكّل ولكن بشكل جزئي.


تخيل كم هو مؤثر هذا الجزء، بداية من أنفاس أبنائنا الأولى، إلى الزمن الذي تتشكل فيه هويتهم ويبدأ كلًّا منهم بالإفصاح عن نفسه وأفكاره، والمشكلة أنه ما إن نكتشف مسافة اختلاف وتباين معهم حتى ندخل في صدام عجيب، فيتحقق فينا مصطلح الآبائية والذي يُفهم منه: إيمان الآباء بامتلاك ناصية الحقيقة كاملة، والشعور بامتلاك الحقيقة مع أنه غير صحيح إلا أنه يدفع إلى الجمود، لأن حركة الفكر والعلم لا تنشط إلا عند الإحساس بأن هناك حقائق خافية أو مشكلات تحتاج إلى حل، ومن هنا كانت متابعة الآباء والأجداد من غير ميزان عبارة عن حركة إلى الوراء، صحيح أن ليس كل ما يرثه المرء عن آبائه وأجداده رديئًا، لكن الرديء المراد هنا هو أن نفقد القدرة على الحكم على تلك الموروثات ونحلها محل القبول والاقتداء، ونُصرّ عليها في تعاملاتنا مع أبنائنا!


لذلك وبأمانة يجب علينا الاعتراف أن المعرفة التربوية التي كانت صالحة لتوجيه التربية قبل سنوات لم يعد كثير منها صالحًا اليوم بسبب تغير الظروف والمعطيات، مما يستدعي الانفتاح على الأفكار والمعلومات والملاحظات التربوية الجديدة.


فالتربية عملية تفاعلية وما نحصل عليه من معارف ومعلومات وخبرات تربوية ليست لوعظ الأبناء، ولكن من أجل تقويمنا وتحسين امكاناتنا في توجيههم، وهذا ما يفسر أن أُمًا لم تحصل على أكثر من شهادة متوسطة تربي أفضل من أم تحمل الدكتوراه في التربية، فالأطفال لا يتفاعلون مع الشهادات، ولكن مع من يحمل الشهادات.


إننا اليوم نحيا في زمن الحداثة وما بعدها، حيث بات الصلب سائلًا، وتم إذابة المفاهيم والقيم والأخلاقيات والثوابت، من خلال كل وسيلة إعلامية بين أيدينا وأبنائنا، وأمام الكم الغزير من المعلومات السائلة والمتغيرة، كيف للمربي أن يغفل عن السرعة الجنونية التي يجري بها نهر الأيام حاملنا وأبناءنا على سطحه؟ كيف لنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام تهالك الصلب وتساقطه من حولنا؟ كيف لنا أن نستلهم الأسلوب الأسلم لرفع وعينا وأبنائنا؟


والجواب يبدأ كما بدأت المقال: من تربيتنا لأنفسنا، وباستنادنا على السكينة، تلك التي تمدّنا بالاتزان، وترشدنا بالحكمة، وتُنير المنطق، وتُدير العاطفة.


إن السكينة إن سكنت أضلعنا جعلتنا ننتقل من حيز أنفسنا إلى حيّز أبنائنا بمرونة وحكمة، فنكون نحن المشاهد والمنظور الأمثل في أعين أبنائنا، ويكون حديثنا هو المثير الأفضل لفطرتهم، فأمام السيولة الجارفة لن يُجدي بعد المعرفة والوعي إلا استدعاء الفطرة بإثارة العاطفة حواريًا للحفاظ على الهوية، والقيم الأخلاقية، والمحكمات الإسلامية والإنسانية.


إن رحلة التربية لا تخلو من الشكوى الناجمة عن اتساع حجم الاختلاف الفكري بيننا وبين أبنائنا، اختلاف في التعامل مع المواقف، اختلاف في تبنّي وجهات النظر، اختلاف في التعاطي مع الظروف المختلفة والمسائل المستحدثة، اختلاف مع قوانين الأسرة ومدى القناعة بها، اختلافات تبدأ بموعد العودة للمنزل مساءً، وعدد مرات الخروج أسبوعيًا، مرورًا بنقاشات ساخنة حول الحجاب والحشمة، ومساحة الاختلاط المسموح به، ومفهوم الصداقة بين الجنسين، وانتهاء بضرورة الاقتناع بكل صغيرة وكبيرة قبل السمع والطاعة! وأكثر من ذلك! نعم أكثر أيها القارئ العزيز.


 ورغم أن هذا الواقع مرهق إلا أن هذا الاختلاف صحّي جدًا بل هو دليل عافية، لأننا واقعيًا نتغير على أنفسنا، وقد نشتكي من تبدّل أفكارنا وأهوائنا علينا، فكيف باختلافنا مع أبنائنا!


إن هذا الاختلاف يثمر بالكثير كلما تم احتواؤه وتوجيهه توجيهًا صحيحًا بحارس يسمى القبول، وجندي يسمى اللطف، وكتيبة من الدعاء.

سأكون صريحة جدًا معك، رغم إيماني الشديد بأن هذا الاختلاف صحّي، إلا أنني لن أدّعي مثالية لم أعشها، حيث إنني لم أسلَم من حالات اليأس والإحباط والسعي للوصول إلى أرضية مشتركة بيني وبين أبنائي نقف عليها من حين لآخر، ولم أسلَم من نوبات غضب أفقد فيها أبسط أصول اللباقة واللياقة فأتفوّه بما أندم عليه، واستخدم سلطتي فيما يؤنّب ضميري لاحقًا؛ لتنتابني حالة مزمنة من الإرهاق الأمومي!


وكم كان سلامًا لنفسي وسكينة حين تتبّعت إجابة تساؤل رافقني في مراحل التربية المتقدمة عن الكيفية التي ربّى الأنبياء بها أتباعهم؟ وكيف تمكّنوا من لفت انتباههم رغم تشكّل عقائدهم، وتفاوت أعمارهم؟ لأجد الإجابة تكمن من جديد في التحلي بالسكينة، تكمن في وهب المساحة والمسافة زمنًا وحجمًا، تكمن في اعتناق الصبر كوسيلة لازمة لمرور الأيام لا كوسيلة للوصول، لأن التربية في واقع الأمر وبعيدًا عن التفاؤل غير الواقعي، أمرًا مستمرًا مادامت الروح تتمتع بأنفاسها.


لذلك كلما ضاقت نفسي بتضاد الأفكار بيني وبين أبنائي، واختلاف التوجّه بيننا، واستيائي من المسلك الذي نال استحسانهم ولم ينل ذلك مني، عدت أذكر نفسي بلزوم السكينة وسألتها:

ألم يقعد النبي عليه السلام ١٣ عامًا حتى تحول إلى الدعوة الجهرية؟

ألم يأمر أتباعه بالصلاة بعد أعوام من تعريفهم بالله وتليين قلوبهم؟

ألم يدخل يونس عليه السلام بطن الحوت حين يئس من إيمان قومه؟

ألم يقل له الله عزّ وجل (واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) – سورة يونس، آية ١٠٩؟

كما نكون ستكون تربيتنا، وما دمنا نحن الذين نستكمل جزء من طبيعة الطفل ونصوغ تفاصيل في شخصيته علينا استجلاب السكينة حتى لا تتحول تربيتنا إلى وسيلة لتكريس الواقع السيء ونقل الأمراض الخُلقية والاجتماعية من جيل لآخر، وحتى لا يتحول مناخ التربية إلى مناخٍ قاس أو مفرط في اللين!


 يقول د. مصطفى السباعي: “إفراطك في القسوة على ولدك يقطعه عنك، وإفراطك في تدليله يقطعك عنه، فكن حكيمًا وإلا أفلت من زمام يدك”.


عزيزي المربّي، بعد أعوام من التربية داخل موج هادر، آمنت إيمانًا جازمًا بأن تربية الأبناء في حالة السكينة نقطة البداية الصحيحة والوحيدة، حين تكون النفس كالبحر الساكن، إلا أنها جيّاشة تطرح اللآلئ والأصداف والمراجين من أعماقها لحظة بعد لحظة فهي غنى الغنى اللانهائي.

هاجر المدودي

٣ شعبان ١٤٤٣ه

٦ مارس ٢٠٢٢م

مصادر تم الاستعانة بها في كتابة المقال:

كتاب هي هكذا د. عبد الكريم بكار

كتاب في إشراقة آية د. عبد الكريم بكار

كتاب أسرار القرآن د. مصطفى محمود

كتاب هكذا علمتني الحياة د. مصطفى السباعي

كتاب الحياة مشاعر د. أسامة الجامع

كتاب الحداثة السائلة زيجمونت باومان

كتاب أنا تتحدث عن نفسها د. عمرو الشريف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا توجد تعليقات